مقطع من رواية : أجراس العودة/ دنيا لعقون

إبداعات سردية - شعرية

هل كان حلما ذلك الذي زرتني فيه يا والدي أم هو الوهم قد ارتدى ظلالك ليحدثني عن هموم الفراق الطويل ،هاهي ملامحك التي لم أشاهدها إلى في صور شاحبة اتشحت ليلة أمس ملامح القدر الحزين ،قدر لم يمهلك طويلا وسرقك مني وأنا جنين في لفائف العتمة وخيمت علي فجأة كلماتك ،رائحتك تاريخك ،بطولاتك ،اسمك الذي حملته من بعدك وحزنك العتيق وكأن أحدا اعتصر عمري كله في ذلك الحلم ،لم أشأ أن أفيق منه ليس خوفا من واقعي بل رهبة من غيابك،أفكر الآن كيف أملأ الفراغ الذي تركته خلفك بعد ذلك الحلم . رأيتك واقفا تمارس مهنتك في حراسة باب الوطن … على عتبات الوطن يقف رجلان يصوب كل واحد منهما بندقيته ،يضعها على خاصرة الآخر! في لحظة الإطلاق وارتفاع دوي الرصاص، ضباب كثيف يسود المكان ثم عندما ينقشع الضباب وتتضح الرؤية ألمح ثقبين على صدرك ! وانساب التاريخ المشنوق بين الرصاصتين أول رصاصة رسمت حدود وخرائط الوطن والثانية استندت على الأخرى من تعب الحروب ،سقطت بعد ذلك وأنت تردد بأنين خافت ابتلعته قهقهات الفزع الوطن …الوطن يا ولدي . لم تأبه للثقبين في صدرك وخرجت في اليوم الموالي تحمل حقيبة مهنتك .مافي الحقيبة ! أحلام وأوهام عساكر وبنادق ،بقايا رصاص عالق ،رائحة الدماء أسلاك ودبابات مدن مدمرة ،أشلاء متناثرة غادرت وأنت تعيد على مسامعي الوصية الوطن …الوطن يا ولدي عن أي وطن توصيني يا أبي ؟عن وطن دخلوه لصا، لصا قاتلا، قاتلا ومازلت أنت تقف عند الباب حارسا ! وغراب يحوم عند ذلك الباب يا أبي وأفعى تلتوي بقفله يبدوان واضحان للعيان ولا يظهر منك إلا ظلك الأعوج ! أي وطن توصيني عليه لارقرقة لجداول فيه، لا ألحان لعصفور والياسمين يا أبي جفت مياهه عن الهطول والشام تصيح والقدس جريح . توالت أيام غيابك والألم طوته دقائق الانتظار ووسائد البكاء التي ارتميت عليها لم تعد تقنع أنهار الدموع ،في ذلك المساء المنسي عاد الجرحى إلى أهاليهم ووارت المقابر المجهولة رفات الشهداء لكنك لم تعد . بقيت أنا رابضا في مفترق الطرق أنتظر عودتك إلى أن لمحت طيفا يبتسم لي من بعيد لقد كان طيفك واقفا يعانق انكسار الفراغ المثقل بالأنين ،حاولت اللحاق بك ناديتك ملء حنجرتي لم تستجب لندائي أشحت ظلك ومضيت دون رثاء وانتهي الحلم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *