مقطع من رواية: رذاذ الورق / محمد الأمين بلفرد

إبداعات سردية - شعرية

الساعة التاسعة صباحًا.

كان مُصطفى في زاوية -منزله الجديد- جالسًا يشعر بالفضول والقليل من الحماس تجاه مكان اقامته ونوعية الناس الذّين سيجاورهم من جديد، وكان الأمر سباقًا إليه، يجري نحوه، او مُصطفى هو من كان المُبادر، هي عادة من العادات التي لا يَمِلُ منها أهل هذه المدينة.. اخراج معروف مُتمثل في ابريق قهوة، أو كما يُمسى هُنا برادة قهوة، وقصعة كعبوش، وهي أُكلة يُمكن تصنيفها مع الحلويات، لكنها ليست من الحلويات، يُمكن القول أنّه طبق تقليدي وكفى.. يُصنع من الدقيق والتمر ودهان -سمن- ويأتي في النهاية بلون أحمر.. إلخ.- لو لم يُخبرنا سي محمود صاحب هذا البيت عنك، لما كُنا سمحنا له ببيعه، نحن الجيران هنا شديدو الحذر تجاه الشارين الجدد، نسأل عنهم ونستخبر أخلاقهم، ثم يكون لنا القرار جماعة في بيعه لهم أم لا..كان مُصطفى يومئ برأسه، مُحاولاً استماتة الشيخ الهرم مُبتسمًا نحوه.” هذا شيء رائع، يعني أنّه ينقصكم فقط أنْ تتعرفوا على والدتي، وتكونون شركائي في الشي..”كان هذا بين مُصطفى ونفسه.- هذا أمر جديد عليّ يا عم، لم أكن أعرف هذا من قبل.. لكن تسلم لأنّك كُنت وراء تيسير الأمور.لم يُعجبه الشيخ ردّ الفتى، لكنه لم يُبدِ ذلك رُغم بيان ذلك على وجهه. شعر بنوع من الإهانة التي تعمد مُصطفى أنْ يُشعره بها، القوادة أو كما تُسمى.- كان معروفًا مقبولاً..ردّ الناس:- آمين.. آمين..اتكئ على عُكازه، نهض وبخطوات مُثقلة قطع الطريق إلى زاوية منزله.تفاصيل كثيرة كان يراها مُصطفى تجري من حوله بينما ابتعد عن الجماعة لارتشاف كأس قهوة، وتناول سيجارته الأولى. وبها راحيأخذ أولى مُلاحظاته عن المُحيط الجديد، أمور كثيرة مُثيرةً للدهشة، شيوخ كبار على أعتاب القبر يجتمعون في زاوية هناك، أولاد صغار يلعبون بكرةٍ بلاستيكية مُلونة في الطريق، مرميين من حجر في أطراف الشارع، بعياط، هول.. وصُراخ الكبار عليهم من هُناك.. وبينهم مُصطفى، ظهر الامر وكأنه مشبوكًا مُتصلاً بعضه البعض، ماضٍ يصرخ، مُستقبلٍ يلعب، وحاضرٌ صامت يتتبع تفاصيلهما.كان ما يكرهه مُصطفى في الناس هو عدم مسؤوليتهم في قراراتهم الشخصية أكثر منها الاخرى، كتناول النيكوتين مثلاً.. مدينة “الهات” كما يُحبّ أنْ يُسميها.اقترب منه أحد الشُبان الذّي بدا أنّه استيقظ للتو، بل أكثر فهو يمشي بثقل كالموتى، و يبدو من نظرات عينيه مُترددًا كثيرًا.بابتسامة مُصطنعة:- أنت الساكن الجديد هنا؟- لا أعرف من هو الشخص الجديد، ولست أنا طبعًا، بل هو شخص آخر كما يبدو لي، أنا من المارة توقفت لتناول كأس قهوة هنا.انقلبت تلّك البسمة المُزيفة إلى واحدة حقيقية، كأن صاحبها وجد كنزًا، وكما يبدو هذا أمر نادر الحدوث، أنْ يتوقف غريب في مكان كهذا. ومن دون وعي قال الشاب:- الخير لا يأتي فُردى، ناولني سيجارة اذا سمحت.ما كان يكرهه مُصطفى أكثر مُتمثل في ردوده، ببساطة هو شخص لا يستطيع أنْ يقول لا. وكان يكره أنْ يُطلب في سجائره العشرين، بل كان يمقت من يطلبه فيه.- تفضل..أمسك السيجارة وقال:- حاشاك.. تمتم مع نفسه ” أشتريه ب ثلاثين آلفًا وأبيعه بكلمة حاشاك..”” المارلبورووووو” – الله يعزك، جاري.. لكن لما الدهشة؟ تفاجئ الشاب وضحك بقوة وأردف غير مُتحكم بنفسه:- لماذا لم تُخبرني في الأول، مُتشرف بك، وأهلا بك في الدشرة، إذا احتجت شيئًا أخبرني.وكان الشاب ذا حيلة أكثر مما يبدو عليه، فقد تجاهل سؤال مُصطفى حول الدهشة التي أبداها، كأنه شعر بنوع من الإهانة عندما سأله، أو ببعض من التخلف حول أمر سيء يفعله الناس بدرجات من الرفاهية، فالمارلبورو كما يبدو لهذا الشاب أمرًا يدّل على يُسرِ الحال أو أمر مُشابه لذلك.” أحتاج؟ ما أحتاجه حقًا هو تتركني و المارلبورو فقط.. غير ذلك مشكور على كلماتك الرنانة”- هذا في غاية اللطف، شُكرًا لك.. تناول المعروف.بعدها بعشرة دقائق اكتملت القصعة، وكما يُقال ما يبقى في الواد غير حجارو، ما بقي في القصعة غير العلف، وكان هذا هو المطلوب، فالأمهات والعجائز يُحبّون استرجاعها هكذا، لإنّه فأل خير كبير.أغلق الباب وصعد إلى الطابق الأول من الدار، وقابلته ابتسامة كبيرة تكاد تكون ضحكة من وجه والدته السيدة زهرة، القت نظرة، ومن دونها كذلك تظهر على القصعة كُلّ العلامات اللازمة المُبشرة، العلف كثير، القصعة خفيفة، وابريق القهوة فارغ..- هذا فأل خير يا ولدي الحبيب، انظر، انظر.. هذا ما يجعلك تُحبّ الدشرة.. كثرة الأفواه.- هذا امر رائع يا والدتي بالفعل، أذكر من آخر حيّ سكنّا، رجع فيه المعروف كُلّه .- المُهم يا ولدي هو راحة البال والهناء، أما باقي الأمور فدعنا منها.- صادف أنّ الجيران قد سألوا عنا قبل شرائنا لهذا البيت؟ ما معنى ذلك؟- ويصدف أيضًا انْ المالك عيساوي1، وهذا أمر عادي يا مُصطفى، خصوصًا في الأحياء الشعبية التي تطغى عليها العروشية.- إذًا هذا حيّ خاص بأولاد عيسى؟- تقريبًا، يُمكنك أنْ تقول ذلك، وهو أمر بالرغم من بشاعته، أقصد العروشية جمعاء، لكنك ستستلهم منهم الكثير.- تقصدين سأعاني لأني لست منهم؟ – لا أقول ذلك، هل عانيت معهم في ألأحياء أخرى؟ بل العكس، انت ذكي و تُجيد معاملة الناس، لا اخاف عليك..- في الحقيقة يا أُماه، لست بالذكي الذي تتصوريننيه، بل الامر بسيط جدًا، فنحن في النهاية كُلنا لآدم وآدم من تراب.——————1- عرش أولاد عيسى : ولاد عيسى بن يحي بن محمد نائل (أولاد الاعور-أولاد ام الاخوة-اولاد عيفة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *