د.محمد الأمين بحري : التمايز بين القصة والرواية .

أخبار الثقافة والأدب

ين القصة والرواية، حكاية تمايز أنواعي خارج أوهام الحجم

بعد أن كثر تساؤل هواة الكتابة، عن كون مسألة الحجم الورقي تمثل فاصلاً نوعياً بين القصة والرواية أم لا؟.. تطلب الأمر تقديم هذا التفريق الفني البسيط، الذي أرجو أن يكون واضحاً..
أولاً التفريق الفني: (الهندسة البنائية)
من حيث الأساس، لم يكن الفرق بين الرواية والقصة القصيرة يوماً، في عدد الصفحات كما يتوهم البعض، وإنما ينحصر الفرق بينهما؛ في هندسة البناء لكل لون سردي بينهما؛ ما يعني أن المسألة ليست مسألة حجم ورقي أو عدد كلمات، وإنهما في تكوينية البناء الفني لكل لون سردي، وكيفية هندسته الشكلية.
– قد يقول قائل: ولماذا نُعِتت القصة بالقصيرة إذن؟ أوَليس القِصر إشارة إلى الحجم؟ والكم؟
إن وصف القصة بالقصيرة هو وصف هندسي أيضاً، لكونها تحمل حدثاً جوهرياً واحداً، تقود إليه بدايتها الوحيدة، ويؤول إلى نهاية وحيدة.. أي إن لها عقدة واحدة أو قمة تصعيد حدثي وحيدة هي من صنعت من أجلها البداية وصيغت من أجلها النهاية. وهذه الهندسة الأحادية العقدة وأحادية البداية وأحادية النهاية، مهما طالت فإنها قصرة، وبسيطة التركيب. على عكس الرواية.
الرواية التي تحمل وجوباً أكثر من عقدة، وكل عقدة تستلزم فنياً بدايتها المنطقية ونهايتها المنطقية (ولا يفهم من كلمة منطقية أنها تتبع منطق العقل والواقع، بل لا تتبع إلى منطق السرد التخييلي الخاص بها دون غيرها).
وبما أن لكل عقدة بدايتها ونهايتها، فإن ذلك يتطلب من الروائي صناعة حبكة مؤسسة على تعدد العقد, هذا التعدد نفسه هو الذي يفرص عليه أن يولي كل قمة تعقيدية أو حدثية في روايته بفصل تقسيمي خاص بها لذلك تتعدد فصول الرواية بتعدد وتنوع عقدة كل فصل عن الفصل السابق واللاحق، ولول لم تتعدد العقدة وتتنوع عما يبقها ولحقها لمان السرد متوالياً ولما احتاج أصلاً إلى تقسيم عمله إلى فصول، لكل فصل بدايته ونهايته، ويتبع من حيث حبكة الأحداث فصولاً أخرى تكمله.
لكن كيف تكمله، إن العنصر الجوهري الرابط بين فصول الرواية والمكمل لها هو الشخصية البطلة، أو الشخصيات. فمهما تغيرت ألوان الأحداث في الفصول وأنواع عقدها، فإن كل العقد والأحداث تدور حول شخصيات واحدة تخترق كل فصول الرواية، وتوحدها من حيث الفواعل، والمفعولات التي هي شخصياتها، سواء أكانت رئيسية أو ثانوية أو هامشية.
وهذا ما يفرض على الكاتب أن يكثف اللغة الواصلة بمنحى خطي بين البداية والعقدة (أو قمة التصعيد الحدثي)، وبين هذه العقدة والنهاية. والتكثيف هنا ليس غرضه الاختزال (وإن كان الاختزال والاقتصاد قيمة بلاغية في فن القص)، بقدر ما يهدف إلى تعزيز تواصل الحبل الدرامي بحيث لا تقطعه عقدة أخرى، فيتسبب هذا القطع في إدخال العمل في فصل درامي جديد، إن لم يقم الكاتب بفصله، قام القارئ بذلك بدلاً عنه.
*- ثانياً – التفريق الشكلي (من حيث التقسيم المورفولوجي):
إن المنعرج الفني يقع هنا، حيث يمكن لسائل ما أن يتساءل: ماذا لو كان لكل فصل شخصياته الخاصة بحيث لا تظهر هذه الشخصيات أبداً في بقية فصول الرواية..
– والجواب سيكون أبسط هنا:
إن اشتركت فصول العمل السردي في الشخصيات (وخاصة البطل)، كان العمل السردي رواية. وإن كان لكل فصل شخصيته البطلة، أو شخصياته (التي لا تظهر أبداً في بقية الفصول)، فهنا صار العمل مجموعة قصصية، كل فصل فيها يشكل قصة مستقلة عن بقية القصص المجاورة، في الشخصيات والأحداث والعقدة. ولم يبق هنا إلا أن نعطي لكل فصل عنوان لتكتمل صورة المجموعة القصصية.
وإن كان هذا التمايز الفني بين النوعين السرديين بهذه الصورة. فإنه تمايز هندسي في البناء.
وهذا التمايز الفني الشاسع بين النوعين السرديين، يلغي مسألة الحجم الورقي بينهما، ويجعلنا نقول: بأنه لو وقع بين أيدينا عمل سردي أحادي العقدة، التي شكلت لنا الأحداث التي قبلها البداية، والأحداث التي بعدها النهاية. فإننا أمام عمل قصصي. حتى لو بلغ عدد صفحاته الآلاف.
وإن كان بين أيدينا عمل سردي مبني بهندسة متعددة العقد، موحدة الشخصيات، بحيث فرض هذا التعدد في العقد على الكاتب تقسيم عمله إلى فصول وأجزاء، لكل جزء عقدته النوعية، التي يعيشها البطل أو تعيشها شخصيات العمل، فإننا أمام عمل روائي، حتى إن بلغ عدد صفحاته العشرات، فقط.
وبالبداهة نفسها: إذا كانت الهندسة الفنية هندسة قصة، فلا يمكن بحال من الأحوال-حتى إن أضفنا إليها آلاف الصفحات- أن تصبح رواية بزيادة الحجم فقط. وبالعكس: إن كانت هندسة السرد روائية، فإن إنقاص أو اختصار حجمها الورقي لا يجعل منها قصة أبداً.
والفرق في الهندسة هنا مثيل بالفرق بين المنزل والعمارة.. فإن كانت هندسة البناء هندسة منزل أو فيلا.. فإمهما كان حجمه (ها) كبيراً –ولو فاق حجم العمارة- فإنه يبقى منزلاً ولا يمكنه أن يكون عمارة.. وإن كانت هندسة البناء هندسة عمارة، فمهما كان حجمها صغيراً ومقزماً فستبقى عمارة وفاءً لهندستها لا لصغر أو كبر حجمها.
ونشير في الأخير بأنه: إن كانت مسألة الحجم الورقي ليست معيار تمييز بين النوعين السرديين القصصي والروائي، فإنها على العكس من ذلك تميز بين نوعي الرواية: وهما الرواية القصيرة (النوفيلا)، والرواية الطويلة.. في هذه الحالة فقط يمكن أن يعمل الحجم الورقي كفارق بين النوعين الروائيين القصير والطويل كمعيار فصل أنواعي.
أما ما تفرضه بعض الجوائز من حد أدنى أو أقصى لعدد الصفحات (في القصص أو الروايات)، كشرط لدخول المترشحين لقوائمها، فإن هذا يجوز لها، بل من حقها. لكن دون أن تسير مسألة الحجم هذه على غيرها، ولا تنطبق هذه المعايير الكمية على النوع الروائي أو القصصي خارجها.
*- ثالثاً- الحدود والتعاريف (تركيب ختامي):
ولو جاز لنا في النهاية أن نعرف كليهما، تعريفاً فنياً لقلنا:
بأن الرواية تمفصل سردي يحكي قصة مطولة تحتوي أحداث تعيشها شخصيات عديدة، منها الرئيسي، ومنها الثانوي، ومنها الهامشي، تتصاعد الأحداث من حول الشخصيات ليصنع عدة عقد، أو تعقيدات، تنتهي إلى حلول (نهاية مغلقة) أو إلى عقد أخرى دون حل (نهاية مفتوحة). وتتطلب العقد المتعددة فصولاً متعددة أيضاً يفصل ببنها الكاتب بأرقام أو عناوين أو حروف أو مساحات بيضاء، ليفهم القارئ أنه انتقل من حدث إلى حدث، ومن عقدة إلى عقدة، ومن مغامرة إلى مغامرة.
بينما القصة القصيرة، هي عمل يدول أساساً حول حدث واحد محور، يصنع قمة درامية واحدة وعقدة واحدة، تجعل كل ما سبقها مقدمات لها (أو بداية واحدة)، وكل ما بعدها نتائج وتداعيات لها (أو نهاية واحدة) في شكل مثلث (فريتاج- fritag): زاويته القاعدية الأولى هي نقطة البداية- وزاويته العليا (قمة المثلث) هي الوسط أو العقدة، وزاويته القاعدية الثانية هي النهاية. وسميتن بالقصية نظراً لوحدة حدثها، وموضوعها، وعقدتها وبدايتها ونهايتها الواحدة، ولا تحتمل داخلها أي عقدة ثانية لعدم وجود قمة درامية ثانية للأحداث، و أو بداية ثانية جديدة ولا نهاية ثانية جديدة، لذلك فهي لا تقسم إلى فصول. كما سميت قصيرة نظراً لمحدودية عدد شخصياتها، الذي يكون أقل بكثير من شخصيات الرواية (حيث يتراوح عددها بين شخصية واحدة وخمسة شخصيات مسماة، حيث لا تعتبر الشخصية شخصية إلا إذا حملت اسماً علماً أو وظيفة تحل محل الاسم “الحارس، القاضي، الشرطي…الخ”، علماً أن الشخصيات الجماعية لا تحصى ضمن الشخصيات “مثل الناس، والشرطة، والجماعية، والأطفال” فالشخصية فرد وليست جماعة). وما زاد عن الخمسة شخصيات في القصة يصير عبئاً عل النص والحدث داخلياً، وثقلاً على النوع والقارئ، خارجياً،(غوغول/ تشيخوف)، وتطلب مزيدً من الجهد الذي يجعلها قصة طويلة تتجاوز فنيات الاقتصاد الفني واللغوي والاختزال وبلاغة هذا النوع السردي، وهذا نظراً لأحادية الحدث والعقدة اللذان لا يحتملان كثرة الشخصيات. لأن الشخصية في القصة متطلبة كثيراً من التركيز، عكس الفسحة الحدثية والفضائية الممنوحة لها في الرواية التي تسمح للكاتب بأن يقدمها على مراحل وأطوار ونمو يتحكم في تقسيمه على الأحداث والفصول.
——————-
*- محمد الأمين بحري.

1 thought on “د.محمد الأمين بحري : التمايز بين القصة والرواية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *