محمد الأمين سعيدي : بناء الرؤيا عند القاص عبد الحميد إيزة

دراسات - قراءات- مراجعات

يدرك من قرأ قصص عبد الحميد إيزة أنه يرتكز على معرفة عميقة باللغة وتشكلاتها، مع رؤية تأملية أصيلة هي نتاج فكره الذي استفاد من المراحل الأدبية، ونضج على مهل بسبب من التجارب التي عاشها وسبر أعماقها. وها هو منذ فترة يشتغل على شذرات تأملية، وغالبا صوفية، وهذا البعد من الكتابة بلغه لا بكونه قارئا للتصوف فحسب، بل لأنه صوفي القلب والسلوك والفعل.
وبما أن فن الشذرات صعب لا يتأتَّى لكثير ممن غامروا بكتابته؛ إلا أن عبد الحميد أجاده، بل أضفى عليه مسحة من أسلوبه وروحه، وجعله رؤيا مغايرة تفتح نافذة أمام القارئ لا لتعطيه إجابات كما يفعل كثير ممن كتبوا الشذرات، بل يغري القارئ ليتساءل ويفكر ويراجع كثيرا من أفكاره، وربما بلغ الأمر به إلى تأمل قيمة الأشياء وقيم الوجود من خلال شذراته الذكية، المختزلة العبارة واسعة المعنى. وقد نجح في هذا تحديدا لأنه ذاق من معارف الصوفية وأساليبها فعرف وغرف. والأهم أنه لم يقع في تكرار أساليب المتصوفة، وإنما شق طريقه الخاص، وشكل أسلوبه الفريد لأنه لم يكن يوما ضحية القراءة التي تُوقع في التقليد، بل استفاد من قراءاته الكثيرة حين تجنبها في الكتابة ليصنع أسلوبه في بناء العبارة وتشكيل الرؤيا التي تكتنزُ بها شذراته.
أخير؛ من يعرف عبد الحميد إيزة شخصيا سيكتشف أن شذراته هي من صميم تفكيره التأملي وخلفيته الصوفية التي جعلت منه شجرة لا ظلا، فكان هو في نصه، بل كان نصه روحه وهي تتشكل فتنة وجمالا وعمقا على البياض. ومن يعرف إيزة أكثر سيكتشف سلوكه الصوفي، وكرمه النادر في وقتنا، وقلبه العامر بالمحبة.. حميد منذ عرفته لم يذكر أمامي أحدا بسوء.. لم يمارس النميمة أبدا، بل كان ذاك الإنسان النبيل، وعلى مستوى الكتابة، صار ينضح بالحكمة في شذراته كأنه سيدهارتا في رواية هرمان هيسه، إنه ذاك المبدع الذي يرى العالم بطريقته، والذي يختلق عالما جديدا مليئا بالحكمة والتصوف، ومحاطا بملائكة المحبة وماء النقاء الذي يسكن قلبه ويظهر في سلوكه الطيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *