حصريا : فصل من رواية / نَخبُ الأُولى : ليلى عامر

إبداعات سردية - شعرية

وجع آخر اللّيل

لا دخّان في الأجواء، كيف أفسّر احتراقي” “

فرانز كافكا

السّاعة الآن الرّابعة صباحا، لم أنم منذ يومين، ألم فظيع يتناوب على هذا الجسد المرهق، وطيف يروح ويجيء ها هنا، لا يريد الاقتراب منّي ولا يريد الابتعاد، كأنّه يجاهد من أجل إظهار شعور ما يؤرّقه.

خرج إلى ساحة البيت، دخّن سيجارة، وبقي شاردا ينظر إلى تلك الكرمة العارية الّتي أرخت أذرعها نحو الأسفل.

سكون يغلّف اللّيل إلاّ من وجعي وأرقي صاخبان يكادان يفجّران شراييني.

لست نادمة على شيء حتّى وإن غيّبني القدر، ستبقى حكايتنا تقوده نحو المستقبل، سيعتني بكلّ شيء بعدي، أثق به رغم تشوّشه، رغم أنّه منذ أيّام لم يكلّمني كأنّه يعاقبني على فعلتي الجريئة، على قراري الّذي اتّخذته بمفردي دون استشارة أحد.

لكن كان عليّ فعل ذلك، كان على أحد ما أن يتصرّف بسرعة.

أتذكّر ذلك اليوم، كالمجنونة كنت، ارتديت ملابسي، لا يمكن نسيان ساعتي تلك، شاهدة على معركتي مع الزّمن، لا تفارقها عيناي، ربّما حدس ما كان ينير عتمة تفكيري قد يكون رحيلا مفاجئا، أو كهذا الّذي يذيب روحي قطعة..قطعة.

لا يهمّ، ما كان يهمّني هو أن أنقذه من ذلّ لحق به رغم غموض الحكاية.

ممرّضة بدينة روت ما شاءت من خبايا قصّته، وأنا لم أكن مستعدّة لتصديق سوى ما أريد وصلت باكرا بفرح خفي يداعب قلبي أخيرا سأكون معه.

أخيرا ستجمعنا الأقدار بعد معاندة وعقبات، حتّى وإن كان هكذا أنا قبلت به.

أمضيت تلك الوثائق، تعهّدت أن أحميه وأصونه مدّة مكوثه في بيتي.

كيف لا يحدث ذلك؟ وذاك الرّجل هو الحياة لامرأة سرقت منها الأيّام كلّ شيء، تحاول استرجاع بعض من ماضيها وتلك اللّحظات الّتي بدأت تحت نخيل الجامعة.

لا تتردّدي، هكذا أقولها وكيف أفعل وها هو أمامي في بيتي يشعل سيجارة ويُطفئُ حنيني إليه بنظرات مريبة، نظرات عميقة فيها استفهام تارة ورضا تارة أخرى.

سيطول شرح ما أشعر به الآن الرّابعة صباحا.

أنا أحتضر …..

أحاول مقاومة الألم الفظيع لأكتب رسالة وداع لهما وله.

لكنّه يبدو قلقا من وضعي المرتبك، تماما كتلك الكرمة الّتي تهزّها نسائم لطيفة، خريف مسالم يساعدني على الموت بأريحيّة.

الكرمة تهتزّ قليلا ثمّ كثيرا، بدأت الرّياح تقوى، عاد للغرفة، أنا ممدّدة هنا، أحاول كتمان ألمي.

نظر إليّ، مسك يدي، لامسها بحنان، عيناه كما أوّل ما التقينا، لم يزحهما عنّي، أرى فيهما دمعة حزينة.

بدأ جسدي يستسلم، لا ألم، لا صداع،

اختفت كلّ الحرائق رغم أنّ الرّياح كانت قوية، والكرمة العارية تتمرّد على وضعها، تضرب بأغصانها هنا وهناك …

يداه معي، عيناه تخترقان روحي، أحسّ بي أخيرا لابدّ أنّه عرفني.

إلى عمر

“كلّ هذا سيمرّ، وستعرف أنّي حاولت أن أجمع القلبين المعذّبين لسنين طويلة، لم أفشل، رغم حصار المرض والمجتمع، والأفكار البالية، فشلت حقّا حين صحوت ذات يوم وسألتني من أنت؟ .

“هذه الرّسالة ظلّت مغلقة”

إلى الغاليتين:إلهام وحسناء

“أحببتكما جدّا، هذا الرّحيل ليس بيدي، ولا أستطيع ردّه، اعتنيا بعمّكما عمر، كونا له الرّحمة والأمان، لا تسلّماه لأيّ جهة كانت حتّى يستعيد روحه.

أحبّكما

“رسالة بلّلتها الدّموع فاختفت حروفها تقريبا”

 ستكونين هادئة في آخر المطاف، بعينين مرتبكتين، ويدين تمتدّان لمواكب النّور.

كيف تكونين غريبة إلى هذا الحدّ؟

تتراجعين عن كلّ شيء في زمن العبور هذا.

تبتعدين خطوات ضوئية عن أمنيتك في اقتلاع الأشواك، والسّير إلى حين الأضواء السّاطعة من عيون غائرة.

لا يحزنني هذا الفراغ الفظيع الّذي بيننا، ولا نوباتك الجنونية، فقد تعوّدتها وصارت من يومياتي، بل أحيانا تسلّيني لولا ردود الفعل من الفتاتين وغمزاتهنّ السّاخرة.

لا يحزنني أنّنا صرنا بعجز جزئيّ، أنا في جسدي وأنت في جهة من دماغك.

نحاول التّغلّب عليه، أو أحاول أنا احتواء نقائصنا أنا وأنت، أجدّد طاقتي كلّ يوم لأشرق بأمل أكبر في أن ننجو معا، ونتجاوز هذه العوائق مهما بلغنا من العمر.

ما يحزنني حقّا هو أنّك لا تتذكّرني إلاّ نادرا، حتّى بذكر اسمي، أحسّ أنّه نطق للحروف ليس إلاّ، قد يرتبط ذلك بذكرياتنا معا، ربّما أنا عالقة في قلبك كوردة تشابكت حولها الأغصان، تذبل هناك بصمت رهيب، دون أن تُقطَفَ أو تُعصَر أو يشتمّها عاشق متمرّد.

اسمي هناك يتردّد بهذه السّلاسة، وهذه الرّقّة، “مريم” لكنّني حين أهرع إليك يتراجع ذاك الحنين ويخفت، بل تصمت تماما كأنّك تقصد أخرى.

لم تتعرّف عليّ سوى مرّتين…

مرّة حين صحوت باكرا وجدتني إلى جانبك، أحضن ذراعك وأنام متمسّكة به، لا أفلته مهما تنكّرتَ لي.

سحبت ذراعكَ، لامست شعري الّذي بدأ ينمو شيئا فشيئا، وقلت لي:مريم، أنت هنا؟ ما به شعرك؟

ابتسمت بفرحة، وأغمضتُ عينيّ على صدرك العاري.

مرّة أخرى، حين كنت أحمّمك، وطلبت منّي أن نتعرّى معا تحت المياه الدّافئة، أردتَ أن تمسّدَ جسدي.

رفضتُ خوفا عليك من الصّدمة، لكنّك طفل بإصرارك وكان لك ما أردت.

يداك على العصفورين المبتورين، تتلمّسهما بدهشة:ما بهما؟  أين حبيباي يا مريم؟

كان التحاما بين الجسدين والرّوحين، ملأ تلك الثّغرات وصار كلّ شيء يبدو كما كان في الماضي، حبّ مكتمل الأركان، يتنفّس ويعيش رغم شكلي الزّومبي وعقلك المختلّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *