قراءة في رواية قوارير ( شارع جميلة بوحيرد )

دراسات - قراءات- مراجعات نظرة على الرواية

غريبي بوعلام

———-

البداية كانت بتشكل نواة ثورة، قامت بها مجموعة من النساء ضد هؤلاء الذي كانوا ضد تسمية شارع من مدينة عشقانة باسم جميلة بوحيرد، المجاهدة المعروفة بمقاومتها الشديدة للاحتلال الفرنسي، أطلقوا على الشارع اسم ذلك الرجل الأرعن بموافقة البلدية في حفل بهيج و رقص كبير بحضور مسؤولين كبار، رغم ذلك فالشارع بقي اسمه متداولا على الألسن باسم جميلة بوحيرد، بل أُطلِقت أسماء نساء أخريات على شوارع أخرى في ذلك الحي، ثم أحياء أخرى. يعتقد أن التنسيق بينهن يأتي من مبنى حيث يقيم ذلك التجمع النسوي الضخم في قلعة كبيرة بأعالي عشقانة، التي نُسجت حولها قصص و حكايات تتسم بالغرائبية، تنتمي إليها ( أصفية الصابرة ) و هي من أتباع ( لالة الكاملة بنت الصفا ) وهي من أتباع فلسفة المتصوفة جماعة إخوان الصفا وخلان الوفا، وهي نفسها صاحبة القلعة التي يجتهد الجميع فيها بالتنسيق مع غيرهن من النساء في العالم لإخراج كتاب يعتقدن أنه سيَعْبُر بالإنسانية من الظلمات إلى النور ومن الحروب إلى السلام، وسيرفع الظلم المفروض من الفكر الذكوري ضد المرأة أو الأنثى بصفة عامة.

ليناز أو ( ولادة ) هي ابنة ( أصفية الصابرة ) التي خانها زوجها بعد أن وُلدت ( ليناز ) تركهما ببرودة ليعيد الزواج، مع ذلك صبرت و لم تتزوج ، ربما لهذا السبب سميت الصابرة لصبرها على محنتها، عدم زواجها مرة أخرى دليل قدرتها على كظم رغباتها رغم شبابها و جمالها الباهر، حتى اسمها آصفية يشير إلى صفاء الروح و سموها.

ولعل تلك الطريقة الصوفية التي تتبعها جعلتها لا تتأثر كثيرا بتلك الانكسارات الباطنية التي سببها لها زوجها الغادر، إنها نوع من الفلسفة الروحية منها ما يجعل النفس أو الروح لا تتأثر بما يحدث خارج الجسد من شرور و آثام، سلاح يحميها من تلك الذكورية الطائشة، كما يمكن اعتبار كلمة آصفية مشتقة من اسم بنت الصفا صاحبة القلعة. هكذا كرّست حياتها في القلعة خدمة لتلك الثورة الصامتة التي ستعيد الكرامة للإنسان وخاصة المرأة و تحررها من براثين السلطة الذكورية التي تجاوزت حدودها إلى حد الطغيان، و ذلك بالمساهمة في إخراج ذلك الكتاب ( كتاب صحائف النساء ) الذي سيرتفع إلى السماء على حد تعبير الكاملة بنت الصفا ونساء القلعة. عندما كبرت ليناز أو ( ولادة ) نسبة إلى حبيبة ذلك الشاعر الأندلسي الرقيق ( ابن زيدون ) المعروف بغزله العفيف، أدخلتها والدتها إلى تلك القلعة ليكون لها دور فعّال في المساهمة في إخراج ذلك الكتاب على النور، و المساهمة في تحرير المرأة من السيطرة الذكورية المطلقة، الأمر الذي أحدث لها نوعا من الصراع الداخلي، لأنها كانت تعيش حالة حب مع مصطفى الذي يتابع دراسته في الغرب في مجال البحث العلمي ( الروبوتيكس ) و الكشوف الفضائية، حيث وعدها أن يكتشف نجما جديدا في الفضاء وسيطلق عليه اسم ليناز كدليل على عمق حبه لها، كثيرا ما يشتعل حنينها لحبيبها في نفس الوقت تشارك في إنتاج الفكر الذي سيحرر المرأة أو الأنثى من تلك الذكورة المتجبرة، كل هذا سبّب لها تلك التمزقات الروحية التي أحسنت الروائية وصفها بأسلوبها الرقيق المتسم بكثير من الشاعرية، زد على ذلك عاشت كأنها يتيمة رغم وجود والدها على قيد الحياة، والدها الذي تركها و هي في القماط، و لا أخ لها، هذه العوامل الثلاثة قاومتها بفلسفة والدتها المتمثلة في عدم تأثر الباطن بالظاهر خاصة من الناحية السلبية، و الملاحظ أن الروائية خصصت في بعض أعمالها الروائية الحديث عن عالم الروبوتيكس والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي وكانت حقا سباقة في ذلك، لكن مع الأسف تم مؤخرا السطو على مقاطع طويلة من رواياتها، و إخراجها في مسلسل عربي مصري تم عرضه على الشاشة في رمضان الماضي، سرقة أدبية مفضوحة من أولها إلى أخرها.

( لالّة الكاملة بنت الصفا )، الصوفية الناسكة صاحبة تلك القلعة العالية في مدينة عشقانة نسبة إلى العشق الروحي الصوفي المعروف عند كبار متصوفة العرب المسلمين مثل إخوان الصفا و أيضا ابن عربي، الحلاج ، السهروردي، رابعة العدوية، حتى أن واحدة من شخصيات الرواية الأساسية اسمها “حلاجة” نسبة إلى المتصوف الإسلامي الشهير الحلاج.

اجتهدت الروائية كثيرا من خلال سردها الروائي، في إبراز ذلك العالم الصوفي الروحي، جعلت فيه نوعا من الغرائبية التي تجذب القارئ ليحاول فهمه و إدراك كنهه دون الإفراط فيه، بحيث لا يفرّط في الواقع المادي الذي يجب إصلاحه، الروائية تحاول الجمع و الدمج بينهم لتجد ذلك التوازن الروحي المفقود.

في اسم ( لالة الكاملة بيت الصفا ) تلميح قوي للذين ينعتون المرأة بالناقصة، استنادا للحديث النبوي المعروف الذي أوّلوا معناه على أهواء الذي يكرهون العنصر النسوي الأنثوي، المرأة كاملة الخَلق لا نقص فيها هي مثل الرجل، الاختلاف عضوي فقط، لتتمكن البشرية من التناسل واستمرار الحياة فوق كوكب الأرض، لهذا كل من ينعت المرأة بالنقص كأنه يقول إن الخالق لم يحسن خلق الأنثى، ( و هو أحسن الخالقين ). النقص المقصود هو أن الأنثى بصفة عامة أكثر عاطفة و أشد تأثرا، تسبق قلبها على عقلها و فكرها، و ليس معناه نقص في قدراتها العقلية، فهي و الرجل من ناحية القدرات الفكرية سواء، كل ما في الأمر هو كسر و ضرب الأنثى من الداخل عبر الأجيال و التاريخ، ثم تركيعها و السيطرة عليها بسهولة باسم أعراف و تقاليد، باسم الدين و السلطة الحاكمة، مع ذلك هناك أسماء نساء كالنجوم في السماء، تم دفن أسمائهن عبر التاريخ، حاولت هذه الرواية نفض غبار النسيان عليهن و تسجيل أسمائهن بحبر الذهب مثل بوحيرد أسيا جبار تنهينان مريم فكاي و غيرهن والقائمة طويلة.

لعل منطق السرية التامة التي تعمل بها بنت الصفا، يذكرنا بجماعة ( إخوان الصفا و خلاّن الوفا ) هؤلاء العلماء و الفلاسفة، من التاريخ الإسلامي من القرن الثالث الهجري ( العاشر ميلادي ) الذين كانوا يعملون في سرية ، ولم يسجلوا أسماءهم على الموسوعة العلمية الفلسفية التي ألفوها و تركوها للأجيال التي أتت بعدهم، كانوا يعملون في الخفاء خوفا على أرواحهم من بطش السلطة الدينية التي ستكفرهم و تقيم عليهم حد الردة، خاصة أنهم أبدعوا في كل مجالات العلوم، و تبحروا في فلسفة التصوف ( حاولوا التوفيق بين العقل و النقل ) لهذا لالة الكاملة بنت الصفا تتقمص دون شك الكثير من تلك الجماعة و تتبنى أفكارها التحررية و تقتدي بتلك السرية، لكن هل يمكن الالتزام بمثل تلك السرية في زمن العولمة حيث صار الكوكب قرية صغيرة؟ ذلك ما تفك الروائية عقدته بعناية تامة بحيث تربط القلعة ومكتبتها الضخمة بمؤسسات بعينها في شتى أطراف الأرض تابعة للقلعة وبعلماء وشخصيات عبر وسائط أكثر تطورا وبسرية وحذر تامّين قبل الاحتفال باكتمال الكتاب الصاعد للسماء.

من ناحية أخرى تعود الروائية إلى التاريخ العربي الإسلامي الزاهر، باحثة عن تلك العقلانية الراقية التي بها يمكن حل العُقد الفكرية التي تكبل الفكر العربي الجامد في أمتنا، خاصة فيما يخص تحرير المرأة من النفوذ الذكوري المطلق على الأنثى.

من بداية الرواية الكاتبة تجعلنا نلهث خلفها، يشعر القارئ أنها تخفي أمورا كثيرة في سردها، ينتظر أن تفصح عنها، لهذا يواصل القراءة بشوق لمعرفة إلى أين ستؤول أحداث الرواية، مع ذلك تصر الروائية على إخفاء مفاتيح المعاني التي كانت تلمّح و تشير لها بذكاء لتخلق في جوفه ذلك التشويق الجميل و تجعله يفكر معها، بل ربما يشاركها الإبداع بطريقة ما في أعماقه، في الفصل 31 أخذت تميط اللثام رويدا رويدا عن الجمال الذي أخفته، ليتدفق كالسيل قبل نهاية الرواية و تجرفه تلك الدهشة الجميلة، و تحدث تلك الصدمة في الأخير خاصة مع النهاية المأسوية للرواية و ذلك بعد صدور كتاب ( كتاب صحائف النساء ) الذي قلب الموازن رأسا على عقب، نظرا للتأثير الكبير الذي أحدثه ليس في العالم العربي والإسلامي وحده، بل انتشر كالنار في الهشيم حتى في الدول الغربية التي أصرت بعضها على جعله كدستور لبلدها، لكن المشكل العويص كان في ردة فعل الدول العربية المسلمة، التي حاربته بشدة و بكل الوسائل المتاحة لها من مصادرة الكتاب و حرقه و منع بيعه و سجن كل من يجدوه عنده أو عندها، وصل الأمر إلى ضرب الأزواج لزوجاتهم و تطليقهن بسبب هذا الكتاب الذي يدعو إلى تحرير المرأة من ألوهية الذكورة على الأنثى، إنها أفكار قوية تضرب في الأعماق، تكسر ركائز ذلك الجهل الثابت و تجتثه من جذوره العميقة و تجعله كالرماد، لهذا ندرك مدى عنف ذلك الرد الشنيع الذي يذكرنا بسنوات محاكم التفتيش في القرون الوسطى بعد سقوط غرناطة، إلى أن أخذت بطلة الرواية النسخة الأصلية للكتاب لتخفيه في سرداب عميق ليبقى و يخلد للحاضر و المستقبل، رغم ذلك القمع الشديد الكتاب سيبقى لأن تلك السلطة الظالمة المدعمة برجال الدين، الذين يجهلون أو يتجاهلون أن القمع يجعل الناس يقبلون أكثر و أكثر على الكتاب، كل ممنوع مرغوب فيه، خاصة و نحن في زمن العولمة الذي يمكنك الحصول على أي كتاب بضغط زر واحد على آلة الحاسوب.

من الأفكار التي دعا لها ذلك الكتاب “الصاعد إلى السماء”، الذي يبدو من الحجم الكبير، دعوة إلى نبذ السلاح و سفك الدماء، و العيش في عالم كله سلم و أخوة و إنسانية و محبة بين البشر مهما اختلفت ثقافاتهم ودياناتهم ومعتقداتهم، المهم هو إنسانية الإنسان للرجل و المرأة على حد سواء، دون تميز بين الأجناس البشرية، كما اشتمل الكتاب على أفكار عديدة أخرى لا يسع المجال هنا لذكرها كلها، أشارت لها الروائية في سردها، كما نلمس جيدا مدى أهمية الكتاب في الحياة و مدى تأثير القراءة في تغيير الذهنيات و كسر الأصنام الفكرية التي تحتل العقول، في الرواية دعوة غير مباشرة إلى ثورة في الفكر، كي تتجسد في سلوك الإنسان الذي سيحدث التغير الايجابي في المجتمع، هكذا تكون نهضة من المؤكد ستوجد لها معارضة شديدة، و هذا معروف في النهضات التي حدثت في تاريخ البشرية، الروائية ربيعة جلطي كانت كالنبية، روايتها ( كتاب صحائف النساء ) منزّل من سماء الإبداع، و يذكرنا برائعة ( النبي ) لجبران خليل جبران.

في الرواية استطرادات جميلة نسجت الروائية أحداثها حول أبطال روايتها الثانويين، تمثلت في قصص صغيرة آسرة، تثري بحنكة صلب موضوع الرواية، لتظهر لنا مدى النفوذ المطلق الذي تمارسه السلطة الحاكمة، و السلطة الدينية على المرأة، جعلت الرواية تشمل معظم جوانب القضية الشائكة، و تلم بكل جوانبها المتشعبة في بناء قصصي محكم في بنائه متماسك في حبكته، مع حنكة في سرد ممزوج بالخيال و الواقع، و لغة شاعرية مطعمة بهالة صوفية تجعل القارئ من الصعب عليه أن يفرّق بين الواقع و الخيال المحض.

في الرواية تناغم بين الأزمنة و الأمكنة، تشابكت فيها بعض الأحداث الماضية بالحاضر، خاصة من ناحية العاطفة التي تربطهما عند تشابه بعض المواقف، كما استعملت الروائية اللغة الدارجة في بعض الحوارات دون أن تكثر منها، و استعملت طريقة المقابلة بين الأفكار، لتحدث تلك المفارقة التي تدعو التفكير و التدبر، كمثال ليناز المتصوفة التي تعشق صاحبها صاحب اتجاه فكري علمي، ليناز المتصوفة مع خالتها ( عيشة ) التي تعشق الحياة و ملذاتها فتهاجر لكن سرعان ما تعود بعد ذيوع كتاب صحائف النساء.

ربما ذروة الرواية تتجلى في نهايتها النهاية العجيبة التي لم تكن منتظرة قطعا وسأترك للقارئ متعة اكتشافها وبها تتوج الروائية رؤيتها وفلسفة شخصياتها وأبطالها خلال أحداث روايتها قوارير شارع جميلة بوحيرد.

———-

* غريبي بوعلام / الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *