أسير اللوحة : لعقون دنيا / قصة قصيرة

قصص قصيرة

صوت المذياع الذي يكرر أغان وأخبارا كريهة بقايا الغبار العالق على السقف … رائحة جسده الشبيهة برائحة الأزقة المتعفنة كأنه جثة عالقة في وحل المجارير .. الغرفة التي غزى الصدأ صفيحها وتآكلت أخشابها كل شيء بدى وكأنه فم الخراب الأتي! الى تلك اللوحة ! مرر يده على وجهه و تحسس المحيط الأسود العميق أسفل جفنيه !ثم أغمض عينيه بقوة وهو يقاوم حاجة جسده لشيء يخذره جلس وتكور على نفسه واضعا مرفقيه على فخذيه ثم انسابت يده كحية راقصة تداعب جسده المنهك وهو يحاكي تفاصيل اللوحة ! المذياع مجددا يكرر الأخبار نفسها -أعلنت شرطة البلدة أنها ستعيد فتح قضية المعرض التشكيلي التي أغلقت منذ سنتين …وذالك لظهور أدلة جديدة حدق في كل ذالك الخراب حوله وهو يردد -اللوحة …ا.ل.ل.و.ح.ة أعاد لفظ الكلمة أكثر من مرة ولسانه يخطأ نقطها بشكل صحيح في كل مرة المطر في الخارج كان يتساقط بشدة…تماما كيوم الحادثة ! تجلد زخاته الزجاج بقوة كفريق دجاج ينقر كومة حنطة قام من مكانه وتسمر عند النافذة أسبل جفنيه يسترجع مشاهد مؤلمه و سيجارة تتوسط يده اليسرى تلمع وسط الظلام شريط الذكريات يمر أمامه سريعا يعرض فلما وثائقيا بالأبيض والأسود -الموسيقى التصويرية جد كئيبة

في تلك الحافلة المتهالكة جلس الفتى “أنس ” يسند جسده على النافذة الزجاجية يمد يده في اعياء لتداعب أنامله رذاذ المطر البارد ويرقب قوارب الغيوم وهي تبحر نحو الأفق البعيد تتعانق … ثم تسير ببطئ نحو التلاشي ! الحقول المترامية على طول الطريق ابتلعت جزءا كبيرا من طفولته هناك أين وقعت عيناه لأول على تفاصيل الوجوه الأدمية فشغف بها حبا! ملامح والدته الطفولية …النمش المتناثر على خديها كرمال الجنة وشعرها البرتقالي كوهج الشفق حضنها الذي يفوح بأريج البابونج ..وعنقها الذي يعبق بعطر الرمان الأحمر ! تلك التفاصيل الصغيرة لم تعد تستوقفه بعد أن رحلت والدته منذ سنتين ! أبحرت بعيدا وتركته ليغرق وحده على اليابسة ويعانق مرغما حياة الاجرام والسرقة وتعاطي السم الأبيض وحده الشغف بالفن التشكيلي ! بدد جزء من عتمة أيامه.. يتنقل بين المعارض و اللوحات يبوح لها بالأمنيات علها تهديه يوما لوحة بملامح وجهها ! نحنحة تلتها بضع نقرات على النافذة الزجاجية وصوت شبيه بالحشرجة ينادي وسط الركاب -لقد وصلنا الى المعرض التشكيلي من يود النزول انتبه أنس أنه لا يملك ثمن التذكرة اندس بين الحشد الذي يستعد للنزول تحين الفرصة و قفز كفأر هارب من المصيدة -اللعنة (صوت مراقب التذاكر يقلب كفيه في تذمر.) لم يكترث للجراح التي ملأت جسده من أثر السقطة واصل الركض كي يصل في الوقت المحدد
وصل أخيرا دعس عقب السيجارة برجله ثم دفع الباب برفق شديد ! أجال بصره بين اللوحات بانسيابية عالية لوحة واحدة شدته من قطيع الهواجس! لنصف ساعة استمر يحدق بها كالأبله تلك اللوحة استطاعت ايقاظ ذكريات خبت في عقله منذ زمن بعيد -تشبهني حد التطابق حدث نفسه بصوت خفيض قريب الى الهمس قبل أن يتفطن الى أنه لا يملك ثمن اللوحة عض على شفتيه في غيض وانسحب ليراقب المشهد من بعيد ويغوص في عوالم أخرى وراء الجبال …هناك أين تغفو غيماته الوردية كل مساء ! وتفاصيل اللوحة تحفر عميقا في ذاكرته وترسم له وجه أمه وحضنها الدافئ في الأفق ارتعش جسده واهتز بقوة عندما لمح شابا يقف أمام اللوحة -يبدوا الشاب معجبا باللوحة أيضا – تنحنح الشاب وأخرج من جيب سترته الجلدية هاتفا والتقط صورة للوحة -تبدوا رائعة من هذه الزاوية انسحب عابثا بالهاتف ثم عاد ليترأس المشهد من جديد كل الوجوه في المعرض تبدوا تائهة ومنهكة في طاحونة الحياة تهالك أنس في مكانه للحظة ثم رفع رأسه واقترب من الشاب بحذر شديد شيء ماكان عالقا في حنجرته يخنقه ببطأ -أعجب ..تك ال.ل.و.ح.ة ! لم ينتبه الشاب لحديثه المتقطع واسترسل في ابداء اعجابه باللوحة -كثيرا …لطالما أعجبت بلوحات المبدع “سمير بن سالم” وكأنها تضع الملح على الجرح لا بل وكأنها تكشط الجرح وتطلع عليه … لست خبيرا في الفن التشكيلي ولا يمكنني وضع مقاربة سيمائية للوحة لكن هذا الجسد الذي يحتضن نفسه بشكل غريب استوقفني فأردت أن تحتضنه شقتي الفاخرة يكاد يفقد صوابه والشاب لا يتوقف عن الثرثرة -التقطت صورة للوحة أرسلتها الى زوجتي أنتظر موافقتها لأقتنيها ظل أنس يحدق بالرجل مذهولا لعدة دقائق ثم طأطأ رأسه مطولا رن الهاتف على حين غرة فارتجت له أوصاله ،سكن الهاتف كأنه رق لحاله لكن أوصاله لم تهدأ ! لم يكن يستطيع التركيز ولا نطق الكلمات بشكل عادي -ل ي س هذا و..قتك يحتاج الى شيء يوقف هذا الركض الماجن للأفكار داخل رأسه اللعين كجرعة مخذر مثلا ! لكنه يحتاج الى اللوحة أكثر من أي شيء أخر! -حسنا عزيزتي سأقتنيها صوت ذلك الشاب محدثا زوجته على الهاتف بنبرة عالية تمزقها ضجة المعرض تسمر أنس في مكانه عاجزا عن الحركة وهو يرى ذلك الشاب يقتني اللوحة ويغادر المعرض لحق به مترنحا يغالب نفسه على السير -الل..وحة لي شرايينه كانت تنبض بقوة …لم يستطع التحكم بجسده يحتاج الأن الى المخذر أكثر من أي وقت مضى! تحسس بيديه سكينا كان في جيبه اقترب وطعن الشاب من الخلف في اللحظة التي التفت فيها الشاب وشخص بصره احتضنه حتى كاد يحطم أضلعه -هذا هو الحضن …وأنا سأخذ اللوحة توقف سيل الذكريات عن الانهمار فأطلق أنس ضحكة جنائزية اللحن …ضحكة رجل بائس واجه الموت فغلبه … صوت هزيم للرعد وسياط من البرق مزقت أحشاء السماء وأنارت عتمة المكان عاد يحدث نفسه مرة أخرى -ان أمسكوا بي سيأخذون اللوحة لا يمكن …لا ي..م.ك.ن اجتث اللوحة من الحائط المتهالك بقسوة حملها وركض نحو الخارج بسرعة تعثرت خطواته وهو يقف أمام باب المقبرة فتش طويلا في الظلام حتى وجد قبر والدته جمع كومة من الحطب.. أضرم النيران فيها وكشعور أم رمت طفلها في البحر خوفا عليه من حريق يلتهم السفينة ألقى بتلك اللوحة لتلتهمها ألسنة الجمر المتوهجة لم يشعر أن اللوحة تحترق بل شعر أن فلذات كبده هي من تشوى تحسس السكين في جيبه مد يده اليمنى لتحتضن شاهدة القبر أغمض عينيه بقوة ودموعه تبلل وجنتيه -أمي…لما تركتني وحيدا يا أمي …اشتقت لحضنك يا أمي لمع البرق لينير الليل السديمي الموحش .. صورة لفتى يحدق في الفراغ ببلاهة والدماء تغطي شاهدة قبر والدته فلا يظهر منها الا اسمها !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *