إبراهيم سعدي: الإنسان الوقور الذي يشتغل في صَمْت.

بيوغرافيا

بقلم: دعامر مخلوف


هو ذو تكوين فلسفي في الأصل، لكنّهَ عمل في معهد اللغة العربية وآدابها سنوات قبل أن ينتقل إلى قسم الفلسفة، ومال إلى الإنتاج الأدبي إبداعاً ونقداً.فمن رواياته:
((بوح الرجل القادم من الظلام- المرفوضون-الآدميون- الأعظم- بحثا عن آمال الغبريني- صمت الفراغ-كتاب الأسرار)).وله((مقالات ودراسات في الرواية))، سبق له أن نشرها في المجلات والصحف.وتعامل سنوات مع الملحق الأدبي” آفاق” التابع لجريدة ” الحياة” اللندنية، وكذلك مع جريدة “الشروق” الجزائرية.
لقد قيل فيما معناه: إنَّه يمكن للمرء أنْ يكون فيلسوفاً كبيراً من غير أنْ يكون أديباً كبيراً، لكن لا يمكن أبداً أن يكون الأديب كبيراً، إذا لم يكنْ فيلسوفاً كبيراً في آن.لذلك، فإنَّ هذه المزاوجة بين الأدب والفلسفة نادراً ما يحظى بها الكُتَّاب.
فأمَّا (إبراهيم سعدي)،فإنَّ أعماله الروائية لا تخلو من هذيْن البُعْديْن سواء أكان يعتمد الوصف أم يُجري الحوار بيْن مختلف الشخصيات بلغة سهلة ميْسورة لا تعقيد فيها. ولذلك فإن القارئ يسترسل دون أنْ تعترضه ألفاظ حوشية خشنة، ولا تكلُّفٌ في البحث عن غريب القواعد النحوية والصرفية التي لا تَخونُه.وإنْ كان النحو العربي في كثير من جوانبه يتيح للمرء أنْ يرتكب ما شاء من الأخطاء وسيجد لها ما يبرِّرها.
أتصوَّر أنَّه كان في وُسْع(إبراهيم سعدي) أنْ يتَّجه إلى البحث الفلسفي طيلة هذه المدَّة ،لولا أنَّه استشعر هذا الميل الأدبي فأبى إلا أنْ يَكْسوَ أفكارَه ثوباًُ يضمن لها قدْراً من التشويق وينتشل اللغة الفلسفية من التقريرية والجفاف.كما لدى إخوان الصفا في((تداعي الحيوانات على الإنسان))أو كما ختم ابن طفيل كتابه:((حي بن يقظان)) بالقول:
(( وأنا أسأل إخواني الواقفين على هذا الكلام، أن يقبلوا عذري فيما تساهلتُ في تبيينه وتسامحتُ في تثبيته، فلم أفعل ذلك إلا لأني تسنَّمتُ شواهق يزل الطرف عن مرآها. وأردت تقريب الكلام فيها على وجه الترغيب والتشويق في دخول الطريق)).( )
إلا أنَّ ما يحزُّ في النفس حقّاً، أنَّه الأديب الذي قصَّرنا في حقِّه طويلاً، وهو الإنسان الصامت الذي ليس من أولئكم الذين يسعوْن إلى أنْ يكون لهم مُريدون أو أنْ يُحيطوا أنفسهم “بجماعات أدبية مسلَّحة” كما يسمِّيهم (السعيد بوطاجين).
لقد حَدث أن أُعدَّت بعض الدراسات الجامعية حول أدبه، لكنَّها تقتصر-في الغالب- على عمل واحد، فضلاً عن أنها بقيت مجمّدة في الأدراج.فلا يمكن إلا أنْ نوافقه على تشخيصه الحالة التي عليها النقد في بلادنا، إذْ يقول:
((المشكلة أن النقد الجامعي يبقى حبيس جدران الجامعة، وموجه للاستهلاك الجامعي، ويظهر في شكل رسائل جامعية لا تنشر أو في مجلات تُوزع داخليا وبكمّيات محدودة أو في الملتقيات. إننا لا نجد له أثرا في وسائل الإعلام مما يجعل تأثيره محدودا جدا على الحياة الأدبية والثقافية عامة. ومما ساهم في هذه القطيعة أن النظرية التي يرتكز عليها هذا النقد، وهي النظرية السيميائية أساسا، تعتمد على مفاهيم وتقنيات تجعل هذا النقد عاجزا على الوصول إلى جمهور عريض أو حتى على مجرد إثارة اهتمامه. ثم إن النقاد الجامعيين قليلو الاهتمام بالنصوص الإبداعية، بل يمكن القول إنهم لا يتابعون عموما الحركة الإبداعية في الجزائر، إن لم نقل يجهلونها، على الأقل بالنسبة للكثير منهم))(2).
في رواياته يدير الحوار بطريقة سلسة، ويحسن الوصف إذا وصف، ففي الفقرة التالية مثلاً، لا يأتي الوصف كرقعة أرجوانية تزيِّن المتْن، بل يجسِّد حالة اجتماعية قد نراها يومياً، لكنَّ الكاتب يلتقطها من غمرة الأحداث ليجعلنا نقف على أصل الداء، يقول:
((في طريقهما في اتجاه ما اعتبره سحنون مطعماً،راح المهدي يتأمَّل تلك المخلوقات الهائمة، ذات الأجسام النحيفة، والطويلة والخطوات البطيئة والوجوه الحزينة،، التائهة المقلقة،المريبة والمحمومة، ذات اللهجات غير المفهومة.على التو فكَّر وهو يحس بالصداع أنهم على الأرجح من الأفارقة الذين فرَّقت بينهم الحروب القبلية وشتَّتهم الجفاف والجوع وفتك بهم الوباء واضطهدتهم الحكومات واستنزفت ثرواتهم الشركات المتعددة الجنسيات))(3).
وبالرغم من أنني أحببتُ أسلوب (إبراهيم سعدي) منذ زمن طويل وأقرأه كلَّما أتيحت لي الفرصة، إلا أنَّني لم أقدم سوى محاضرة واحدة في أحد الملتقيات عن روايته:((بوح الرجل القادم من الظلام))الفائزة بجائزة مالك حداد.وهذا تقصير كبير قد لا يُغتفر لمن يدَّعي أنَّه نذر نفسه لمتابعة الإنتاج الأدبي في بلادنا.
ولكن هذه حالنا،إذْ نادراً ما يتَّجه الأدبيون نحو ممارسة النقد. ويبدو أنَّ الأمل معلَّقٌ على الجيل الجديد من الذين أتقنوا اللغة العربية ، وبعضُهم يحسنون أكثر من لغة ، بالإضافة إلى أنَّ الظروف قد سمحت لهم بأن يحتكُّوا بأحدث النظريات وبإمكانهم أنْ يصطنعوا أدوات غير التي عرفناها.
إنَّ أعمال (إبراهيم سعدي)تستحقُّ اليوم أكثر من دراسة مستقلَّة.فهو من أولئكم الذين لم يغيبوا عن الساحة، وظلَّ ينشر الدراسات ويكتب الرواية،وأكثر من ذلك وأهمّ، أنَّ كتاباته تسري فيها روح وطنية صافية وغير خافية.
فأمَّا، الذين قُدِّر لهم أن عاشَروه عن قرب ، فلا شكَّ يشهدون بأخلاقه العالية تواضعاً وحياءً.
فليس لي تجاه هذا الإنسان الوقور، إلا أنْ أعتذر عمَّا أشعر به من تقصير، وكلُّ أملي أن تستقيم الأوضاع الصحِّية لأعود إلى قراءة رواياته من جديد وأعبِّر عمَّا تمليه عليّ نصوصه التي لا تخلو من متعة وفائدة معاً.
ألا –أيها الناس-اذْكُروا أَحياءَكُم بخـير. فَلأنْ نحمد للإنسان قيمته ومقامه في حياته، أصْدَقُ بكثير من أن نتباكى عليه بعد رحيله.
==========================
1)ابن طفيْل، حي بن يقظان، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت، قدم له وحققه فاروق سعد الطبعة الثالثة1980ص:236 .
2)حوار مع عمر أزراج للمجلة الثقافية الجزائرية، https://thakafamag.com/?p=436
3)سعدي ، إبراهيم،بحثاً عن آمال الغبريني،منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين ،2004ص: 176

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *